المقريزي

66

تاريخ اليهود وآثارهم في مصر

ثمّ حضرا إلى فرعون ، فأقاما ببابه أيّاما وعلى كلّ منهما جبّة صوف ، ومع موسى عصاه ، وهما لا يصلان إلى فرعون ، لشدّة حجّابه ، حتّى دخل عليه مضحك كان يلهو به ، فعرّفه أنّ بالباب رجلين يطلبان الإذن عليك ، يزعمان أنّ إلاههما قد أرسلهما إليك ، فأمر بإدخالهما . . فلما دخلا عليه خاطبه موسى بما قصّه اللّه في كتابه ، وأراه آية العصا ، وآيته في بياض اليد ، فغاظ فرعون ما قاله موسى ، وهمّ بقتله ، فمنعه اللّه سبحانه . . بأن رأى صورة قد أقبلت ومسحت على أعينهم ، فعموا ، ثمّ إنه لما فتح عن عينيه أمر قوما آخرين بقتل موسى . . فأتتهم نار أحرقتهم ! ! فازداد غيظه وقال لموسى : من أين لك هذه النّواميس « 1 » العظام . . أسحرة بلدي علّموك هذا ، أم تعلّمته بعد خروجك من عندنا ؟ ! فقال : هذا ناموس السّماء . وليس من نواميس الأرض . قال فرعون : ومن صاحبه ؟ قال : صاحب البنيّة العليا . قال : بل تعلمتها من بلدي . . وأمر بجمع السّحرة ، والكهنة ، وأصحاب النّواميس . وقال : اعرضوا علىّ أرفع أعمالكم . فإنّى أرى نواميس هذا السّاحر رفيعة جدّا . فعرضوا عليه أعمالهم ، فسرّه ذلك ، وأحضر موسى وقال له : لقد وقفت على سحرك ، وعندي من يفوق عليك . فواعدهم يوم الزّينة . . وكان جماعة من البلد قد اتّبعوا موسى ، فقتلهم فرعون ، ثم إنّه جمع بين موسى وبين سحرته . . وكانوا مائتي ألف وأربعين ألفا . . يعملون من الأعمال ما يحيّر العقول ، ويأخذ القلوب : من دخن ملوّنات ترى الوجوه مقلوبة مشوّهة ، منها الطّويل ، والعريض ، والمقلوب جبهته إلى أسفل ، ولحيته إلى فوق ! ومنها ما له قرون ، ومنها ما له خرطوم وأنياب ظاهرة كأنياب الفيلة ، ومنها ما هو عظيم في قدر التّرس الكبير ، ومنها ما له آذان عظام ، وشبه وجوه القرود بأجساد عظيمة تبلغ السّحاب ، وأجنحة مركّبة على حيّات عظيمة ، تطير في الهواء ، ويرجع بعضها على بعض فيبتلعه ، وحيّات يخرج من أفواهها نار تنتشر في النّاس .

--> ( 1 ) النواميس ، جمع ناموس : سرّ الرجل الذي يأتي به .